kameel Hawa | هل انتقلنا من عصر السرعة إلى عصر السرعتين؟
1035
post-template-default,single,single-post,postid-1035,single-format-standard,ajax_fade,page_not_loaded,,select-theme-ver-3.1,wpb-js-composer js-comp-ver-4.11.2.1,vc_responsive

هل انتقلنا من عصر السرعة إلى عصر السرعتين؟

عاد الحديث في الآونة الأخيرة مجدَّداً عن رواية جورج أورويل «١٩٨٤». هذه الرواية التي تتخيَّل مجتمعاً مستقبليَّاً يعيش في أسر دكتاتوريَّة معاصرة محضة، حيث الفرد يتعرَّض لما يمكن وصفه بقولبة نفسيَّة فكريَّة كليَّة، تجعله خاضعاً للسلطة المركزيَّة خضوعاً تامَّاً يكاد يكون لاإرادياً. كانت هذه الرواية قد صدرت أول ما صدرت عام ١٩٤٩، أي عام واحد قبل بداية عقد الخمسينيات. وذاع صيتها وأعيدت طباعتها مرَّات عديدة لا تُعدُّ ولا تُحصى، ولا بدَّ أنَّه تمت ترجمتها إلى كل لغات الأرض. وبسبب فرادة موضوعها كانت دائماً على قائمة الروايات التي تُدرَّس في الجامعات، ولم تجاريها إلا رواية أُخرى هي (عالم جديد جريء) Brave New World لـ«ألدوس هكسلي».

 

طبعاً كثير منَّا لم يتسنَّ له قراءتها إلا بعد سنين من تاريخ صدورها الأول. لكن   -وهذا هو موضوع المقال – الانطباع الغالب حينها، أنَّه حتى الذين قرؤوها في أواخر الستّينيات مثلي، كانوا يعتبرون أنَّ التاريخ الذي تتنبَّأ به الرواية سيشهد هذا التحوُّل الشامل في المجتمع الإنساني عام ١٩٨٤، هو تاريخ بعيد للغاية. مستقبل بعيد، بُعداً يسمح للمؤلف أن يتخيَّل هذا المجتمع الغريب المرعب حتى لو لم تكن له بدايات أو مؤشرات في العالم حينها.

 

ولَم نكن حتى يخطر ببالنا، ومن دون أن نجهد أنفسنا بحساب بسيط، أنَّنا سنعيش لنشهد ذاك العام. هذا على الرغم من أنَّ الوقت المتبقي لحلول الموعد المفترض هو (على سبيل المثال) ٢٠ عاماً لا أكثر. أما إذا قال أحد الْيَوْمَ إنَّ تحولاً على هذه الدرجة من الغرابة سوف يحدث عام ٢٠٣٧ مثلاً، لا أظنُّ أنَّنا سنشعر أنَّه تاريخ بعيد يصعب مجاراة خيال الراوي معه. وها نحن أصلاً قد وضعنا كهدف تنموي عام ٢٠٣٠ كعام يتحقق فيه التحوُّل المأمول لمجتمع أكثر عصريَّة وتطوُّراً، وأكثر اعتماداً على قدراته الذاتيَّة الإنتاجيَّة. وشعور الناس الواضح أنَّه تاريخ سوف يصلون إليه معاً، ويستمتعون بنتائجه، لا بل أنَّه حتى المسيرة نحوه سوف تلقي ثماراً أولاً بأوَّل. بكلام آخر، عام ٢٠٣٠ عام نراه أمامنا في مستقبل قريب المنال لا تفصلنا عنه مسافة فلكيَّة.

 

والحقيقة أنَّ الشيء نفسه يمكن أن نقوله حول فيلم الخيال العلمي المعروف (أوديسّة الفضاء ٢٠٠١) لستانلي كوبريك، الذي ظهر فعلاً في أواخر الستينيات وبالتحديد عام ١٩٦٨. وبكل تأكيد كان الناس ينظرون إلى العام الذي يتنبأ به الفيلم بأنَّه سيشهد هذا التوسع الفضائي الخيالي وما يتضمنه من صراعات بين كيانات فضائيَّة، هو تاريخ بعيد جداً كأنَّه يقع في مستقبل يحتاج الوصول إليه ألف عام، وإذ بالسنين تمضي ويصبح عام ٢٠٠١ قد مررنا به نحن منذ ١٦ عاماً. وما زال فضاؤنا هو نفس الفضاء، ومراكبنا الفضائيَّة تتفوَّق على سابقاتها بنِسَب متفاوتة لا علاقة لها بتخيلات الفيلم الذي اعتبر حينها وبحق فيلماً رائداً بكل المقاييس، وهو من دون شكٍّ كذلك. وبالتأكيد العاملون بالسينما أعلم مني، إلا أنَّه بلا شكٍّ مهَّد لكل مسلسلات الأفلام مثل (حرب النجوم) Star Wars وما شابهها.

 

وربما أستطيع أن أُطلق هذه الملاحظة على تاريخ سابق. فأنا أذكر أنَّه حين كان يجري الحديث عن قيام دولة إسرائيل في أواخر الخمسينات مثلا كان يبدو أنَّ المتحدِّث يتكلم عن تطُّور حدث في تاريخ قديم مضى، وليس تاريخاً يعود إلى عشر سنوات وحسب. وما هي عشر سنوات الْيَوْمَ؟ فقد مرَّ على اجتياح الكويت مثلاً، الذي حدث اوَّل أمس أكثر من ٢٥ عاماً.. ربع قرن! خلاصة القول أنَّه، على الأقل ـ من خلال انطباعٍ شخصي يشاركني به المستمعون في العادة ـ أنَّه في تلك الحقبة كان يُنظر إلى الزمن على أنَّه طويل لا تنقضي به السنين، كما يحدث في هذه الأيام. وكثيرون يشعرون مثلي بأنَّ السنين أخذت في الحقبة الأخيرة تغدو مسرعة.

 

كان يقال في الخمسينيات نفسها إنَّ العالم قد دخل عصر السرعة. والسرعة المقصودة كانت أنَّ الأعمال تُنجز بزمن أقل بسبب الابتكارات الجديدة… المحركات ووسائل النقل السريعة، ووسائل الاتصال المتطوِّرة وكلّها تختصر الزمن. لكن إذا كنَّا فعلاً في عصر السرعة، بمعنى أنَّنا ننجز أعمالنا وحاجاتنا بوقت أقل، فكان من المفترض أن يترك هذا للناس متسعاً من الوقت يصرفونه ويتصرَّفون به كما يشاؤون. لكن ما نراه ونختبره هذه الأيَّام يكاد يكون عكس ذلك. والانطباع السائد أنَّ الناس منشغلة ولا تكاد تجد لنفسها، أو لمن تحب، اَي فسحة حرَّة. وهذا بلا شكٍّ يعزِّز الشعور بالمرور المتسارع للوقت. فالنهار الذي يمضي بكل ساعاته ونحن فيه منشغلون عن الدنيا لا نشعر بمروره. وحين لا نشعر بمرور الأيام سوف تمرُّ مسرعة. وكأنَّ عصر السرعة الذي أدركناه في بدايات القرن العشرين، ولدت بمحاذاته سرعة أخرى لم ندرك كنهها بعد، أفقدتنا القدرة على الاستمتاع بتفوِّق العصر، ومنها أن يوفر لنا مزيداً من الوقت لحياتنا واهتماماتنا. وكأننا بذلك نعيش عصر سرعتين لا سرعة واحدة.. واحدة تساعد على إنجاز الأعمال بوقت قصير، وأخرى تجعل الوقت يمرُّ بوتيرة أسرع!

 

كميل حوا

 

«عصر السرعتين» عنوان لمقال نشر في مجلة القافلة وظهر بعدها في كتابي «سبب آخر».

 

عن المؤلف:

 

انتقل كميل حوّا إلى جدة في بداية الثمانينات مبتعداً عن أتون الحرب الأهلية التي كانت مشتعلة في لبنان، حاملاً معه مزيجاً من الزاد الثقافي والموهبة الفنية والمثالية في الأداء؛ مزايا اكتسبها من الجامعة الأميركية في بيروت التي تخرّج منها، وتجربته في النشاط الطلابي، وثم الثقافي، حيث أمضى سنوات كأحد الأسماء المعروفة في النادي الثقافي العربي.

 

واقترن اسم كميل حوّا بالمحترَف السعودي؛ دار التصميم التي أسسها في مدينة جدة منذ اكثر من ثلاثة عقود والتي سجلت مجموعة إنجازات في مجال التصميم الجرافيكي والطباعي والاعلامي، لشغفها المتميز بالخط العربي وجميع استخداماته التراثية منها أو الحرة، واحترافيته في تصميم الهويات البصًرية والإعلانات المختلفة. وللمحترف بإدارة كميل حوا تجارب استثنائية في النشر الثقافي أكان في المجلات والكتب، تجارب جمعت التصوّر الثقافي والاعلامي بفن التصميم، من ابرزها اليوم مجلة القافلة التي تصدر عن شركة أرامكو. وقد كان للثنائي كميل حوّا والمحترف دور كبير في رفد التصوير الفوتوغرافي والفن في المملكة ومن أجلى صور ذلك تولّيه إصدار اول مجلد متخصص يضم اعمال مصورين سعوديين شباب الا وهو “المملكة بعدسات شبابها” وسلسلة “تشكيليون سعوديون اليوم”.

 

 March 2017 Design Ksa  مقال من مجلة

 

 

No Comments

Post a Comment